أنصار الله

الرئيسية



الرئيسية اليوم هو : الخميس 30- 9- 1431 هـ



خيارات الاصوات الزيارات تاريخ النشر عنوان المقالة
5
462 الجمعة 17- 10- 1429 هـ
التفكر في نعم الله تعالى


لا بد للمسلم أن ينظر إلى ما لله تعالى عليه من منن لا تحصى ونِعَم لا تُعد، اكتنفته من ساعة علوقه نطفةً في رَحمِ أُمه، وتسايره إلى أن يلقى ربه عز وجل، فيشكر الله تعالى عليها بلسانه بحمده والثناء عليه بما هو أهله، وبجوارحه بتسخيرها في طاعته، فيكون هذا أدبا منه مع الله سبحانه وتعالى، إذ ليس من الأدب في شيء كفران النعم وجحود فضل النعم والتنكر له ولإحسانه وإنعامه، والله سبحانه يقول: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ [النحل:53]، ويقول سبحانه: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، ويقول جل جلاله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة:152].

وينظر المسلم إلى علمه تعالى به واطلاعه على جميع أحواله فيمتلئ قلبه منه مهابة ونفسه له وقارًا وتعظيمًا، فيخجل من معصيته، ويستحي من مخالفته والخروج عن طاعته، فيكون هذا أدبًا منه مع الله تعالى، إذ ليس من الأدب في شيء أن يجاهر العبد سيده بالمعاصي، أو يقابله بالقبائح والرذائل وهو يشهده وينظر إليه، قال تعالى: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [نوح:13، 14]، وقال: يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النحل:19]، وقال: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ [يونس:61].

وينظر المسلم إلى الله تعالى وقد قدر عليه وأخذ بناصيته، وأنه لا مفر له ولا مهرب ولا منجى ولا ملجأ منه إلا إليه، فيفر إليه تعالى، وينطرح بين يديه، ويفوض أمره إليه، ويتوكل عليه، فيكون هذا أدبا منه مع ربه وخالقه ، إذ ليس من الأدب في شيء الفرار ممن لا مفرّ منه، ولا الاعتماد على من لا قدرة له، ولا الاتكال على من لا حول ولا قوة له، قال تعالى: مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [هود:56]، وقال عز وجل: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50]، وقال: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23].

وينظر المسلم إلى ألطاف الله تعالى به في جميع أموره، وإلى رحمته له ولسائر خلقه، فيطمع في المزيد من ذلك، فيتضرع له بخالص الضراعة والدعاء، ويتوسل إليه بطيب القول وصالح العمل، فيكون هذا أدبًا منه مع الله مولاه، إذ ليس من الأدب في شيء اليأس من المزيد من رحمة وسعت كل شيء، ولا القنوط من إحسان قد عمّ البرايا، وألطاف قد انتظمت الوجود، قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156]، وقال: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ [الشورى:19]، وقال: وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ [يوسف:87]، وقال: لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53].

وينظر المسلم إلى شدّة بطش ربه، وإلى قوة انتقامه، وإلى سرعة حسابه فيتقيه بطاعته، ويتوقاه بعدم معصيته، فيكون هذا أدبا منه مع الله، إذ ليس من الأدب عند ذوي الألباب أن يتعرض بالمعصية والظلم العبد الضعيف العاجز للرب العزيز القادر والقوي القاهر، وهو يقول: وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد:11]، ويقول: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج:12]، ويقول: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران:4].

وينظر المسلم إلى الله عز وجل عند معصيته والخروج عن طاعته، وكأن وعيده قد تناوله، وعذابه قد نزل به، وعقابه قد حلّ بساحته، كما ينظر إليه تعالى عند طاعته واتباع شرعته، وكأن وعده قد صدقه له، وكأن حُلة رضاه قد خلعها عليه، فيكون هذا من المسلم حسن ظن بالله، ومن الأدب حسن الظن بالله، إذ ليس من الأدب أن يسيء المرء الظن بالله فيعصيه ويخرج عن طاعته، ويظن أنه غير مطلعٍ عليه، ولا مؤاخذَ له على ذنبه، وهو يقول: وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ [فصلت:22، 23]. كما أنه ليس من الأدب مع الله أن يتقيه المرء ويطيعه ويظنّ أنه غير مجازيه بحسن عمله، ولا هو قابل منه طاعته وعبادته، وهو عـز وجـل يقول: وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِيهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ [النور:52]، ويقول سبحانه: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، ويقول تعالى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأنعام:160].

وخلاصة القول: إن شكر المسلم ربه على نعمه وحياءه منه تعالى عند الميل إلى معصيته وصدق الإنابة إليه والتوكل عليه ورجاء رحمته والخوف من نقمته وحسن الظن به في إنجاز وعده وإنفاذ وعيده فيمن يشاء من عباده هو أدبه مع الله، وبقدر تمسكه به ومحافظته عليه تعلو درجته ويرتفع مقامه وتسمو مكانته وتعظم كرامته، فيصبح من أهل ولاية الله ورعايته، ومحط رحمته ومنزل نعمته، وهذا أقصى ما يطلبه المسلم ويتمناه طول الحياة.

اللهم ارزقنا ولايتك، ولا تحرمنا رعايتك، واجعلنا لديك من المقربين.


إبراهيم بن عبد الله صاحب
موقع دليل انه الله

هوامش :


عرض عن التفكر في نعم الله تعالى

   Powered by : Digital Lanes © News-Islam ™ Version 1.5   ® Beta & Alpha..