وقفات مع سورة الفاتحة

الرئيسية



الرئيسية اليوم هو : الخميس 1- 10- 1431 هـ



خيارات الاصوات الزيارات تاريخ النشر عنوان المقالة
5
411 الاثنين 24- 12- 1429 هـ
ومن يهن الله فما له من مكرم


مِن رَحمَةِ اللهِ بِالإِنسَانِ وَلُطفِهِ بِهِ أَن فَضَّلَهُ عَلَى غَيرِهِ مِنَ المَخلُوقَاتِ وَكَرَّمَهُ، وَلَقَد كَرَّمنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلنَاهُم في البرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلنَاهُم عَلَى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقنَا تَفضِيلاً. وَذَلِكُمُ التَّكرِيمُ وَهَذَا التَّفضِيلُ إِنَّمَا مَنشَؤُهُ العَقلُ الذِي هُوَ مَنَاطُ التَّكلِيفِ، وَالذي حِينَ رَكَّبَهُ اللهُ في الإِنسَانِ وَأَنعَمَ بِهِ عَلَيهِ أَوجَبَ عَلَيهِ في المُقَابِلِ عِبَادَتَهُ؛ قِيَامًا بِحَقِّ تِلكَ النِّعمَةِ وَشُكرًا لها، فَأَنزَلَ عَلَيهِ الكُتُبَ وَأَرسَلَ له الرُّسُلَ، وَشَرَعَ لأجلِ ذلك الشَّرَائِعَ وَسَنَّ السُّنَنَ، لِيزدَادَ الإِنسَانُ بِذَلِكَ كَرَامَةً وَسُمُوًّا، وَيَمضِيَ في مَدَارِجِ العُبُودِيَّةِ رِفعَةً وَعُلُوًّا، وَبِذَلِكَ يَكمُلُ فَضلُهُ وَتَتِمُّ كَرَامَتُهُ، وَتَجمُلُ رِفعتُهُ وَتُحمَدُ مَكَانَتُهُ.

وَحِينَ يُوَفِّقُ اللهُ الإِنسَانَ وَيَهدِيهِ بِإِيمَانِهِ فَإِنَّهُ يَسلُكُ طَرِيقَ الكَرَامَةِ بِالعَمَلِ الصَّالحِ وَالطَّاعَةِ، وَيَلِجُ سَبِيلَ العِزَّةِ بِالاستِسلامِ لِلأَمرِ وَالنَّهيِ، وَأَمَّا حِينَ يَكِلُهُ اللهُ إِلى نَفسِهِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ فَإِنَّهُ وَهُوَ يَبحَثُ لها عَنِ الرِّفعَةِ وَالكَرَامَةِ لا يَنتَهِي بِهِ المَطَافُ في كَثِيرٍ مِنَ الأَحوَالِ إِلاَّ لِلضَّعَةِ وَالإِهَانَةِ، وَتُقَلِّبُ بَصَرَكَ يَمنَةً وَيَسرَةً وَتُعمِلُ بَصِيرَتَكَ فِيمَن حَولَكَ، فَتَرَى كُلاًّ يَبحَثُ عَن كَرَامَةِ النَّفسِ وَعِزَّتِهَا، فَإِذَا تَأَمَّلَتَ وَتَدَبَّرتَ وَحَلَّلتَ أَلفَيتَ انحِرَافًا عَنِ الكَرَامَةِ كَبِيرًا، وَفَهمًا لمعناها سَقِيمًا، وَسَعيًا إِلى الإِهَانَةِ حَثِيثًا، وَوُقُوعًا في الضَّعَةِ خَسِيسًا، وَمَن يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُكرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفعَلُ مَا يَشَاءُ.

كَرَامَةُ النَّفسِ، وَمَا أَدرَاكَ مَا كَرَامَةُ النَّفسِ؟! مُصطَلَحٌ خَفِيفٌ عَلَى النُّفُوسِ حَملُهُ، ثَقِيلٌ عَلَيهَا التَّنَازُلُ عَنهُ، تَتَنَوَّعُ الأَفهَامُ في وَصفِهِ وَتَعرِيفِهِ، وَتَختَلِفُ العُقُولُ في تحدِيدِهِ وَتَكيِيفِهِ، وَلكِنَّهَا تُجمِعُ على طَلبِهِ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ، وَتَجتَهِدُ ما استَطَاعَت في تَحصِيلِهِ، وَكَم عَزَّ أَقوَامٌ عُقلاءُ بِالاتِّصَافِ بِهِ، فَتَرَفَّعُوا عَن سَفَاسِفِ الأُمُورِ وَتَسَامَوا عَن مَرذُولِ الأَخلاقِ، وَكَم أَهَانَ آخَرُونَ أَنفُسَهُم بِالمُبَالَغَةِ في ادِّعَائِهِ، فَأَوقَعُوهَا في مُستَنقَعِ الإِهَانَةِ وَهُم لا يَشعُرُونَ، وَقَادُوهَا إِلى ذِلِّهَا وَهُم صَاغِرُونَ.

وَتعمِيمًا لِلقَولِ أَيُّهَا المُسلِمُونَ، فَإِذَا وَجَدتَ مَن يَتَرَفَّعُ عَنِ المَعاصِي كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا وَيَتَجَافى عَن كُلِّ خُلُقٍ لَئِيمٍ مُرَاعَاةً لِكَرَامَةِ نَفسِهِ فَاعلَمْ أَنَّهُ أَصَابَ عَينَ الكَرَامَةِ، وَفَهِمَ حَقِيقَتَهَا، وَسَارَ في طَرِيقِ تحصِيلِها، وَإِذَا أَلفَيتَ مَن يَتَقَلَّبُ في المَعَاصِي أَو يَأتي مُنكَرًا مِنَ القَولِ أَوِ العَمَلِ وَلا يُبَالي بِمُخَالَفَةِ كِتَابِ رَبِّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ فَاعلَمْ أَنَّهُ سَعَى في إِهَانَتِهَا وَسَارَ في دُرُوبِ إِذلالِهَا، وَإن زَعَمَ أَنَّهُ بِذَلِكَ يُكرِمُ نَفسَهُ أَو يَتَرَفَّعُ بها عَمَّا لا يَلِيقُ بها.

وَفي عَصرِنَا الحَاضِرِ وَعَالَمِنَا المُعَاصِرِ قُطِّعَت أَرحَامٌ مَا كَانَ لها أَن تُقطَعَ، وَهُجِرَت قَرَابَاتٌ كَانَ الحَرِيُّ بها أَن تُوصَلَ، وَأُدنِيَ بَعِيدٌ وَأُقصِيَ قَرِيبٌ، وَابتُسِم في وَجهِ صَدِيقٍ وَعُبِسَ في وَجهِ أَخٍ شَقِيقٍ، وَهُدِمَت بُيُوتٌ بِكَلِمَةِ طَلاقٍ، وَأُزهِقَت أَروَاحٌ بِزَلِّةِ لِسَانٍ، كُلُّ ذَلِكَ بِدَعوَى كَرَامَةِ النَّفسِ وَعِزَتِّهَا.

تَأتي لِقَرِيبَينِ مُتَخَاصِمَينِ وَأَخوَينِ مُتَهَاجِرَينِ، فَتَذكُر لهما فَضلَ صِلَةِ الرَّحِمِ وَخَطَرَ قَطعِهَا، وَتُؤَكِّدُ لهما عِظَمَ مَا وَقَعَا فِيهِ وَسَيِّئَ أَثَرِهِ، حَيثُ لا يُرفَعُ لهما عَمَلٌ بِسَبَبِ تِلكَ القَطِيعَةِ، فَيَزعُمُ كُلٌّ مِنهُمَا أَنَّهُ إِنما هَجَرَ صَاحِبَهُ لأَنَّهُ أَهَانَهُ في يَومٍ مَا، وَأَنَّهُ إِنما قَطَعَهُ لأَنَّهُ لم يُقَدِّرْهُ بِمَا يَستَحِقُّهُ في مَوقِفٍ مَا، وَتَرَاهُ يُحَدِّثُكَ أَنَّ النَّفسَ لها عِزَّةٌ وَكَرَامَةٌ، وَأَنَّهُ لا يَقبَلُ الإِهَانَةَ بِحَالٍ، وَلا يَرضَى أبدًا بِالاستِصغَارِ وَالاستِذلالِ، وَمَا عَلِمَ هَذَانِ الضَّعِيفَانِ المَخدُوعَانِ المَخذُولانِ أَنهما في عَينِ الإِهَانَةِ وَقَعَا، وَلِسَبِيلِ الذُّلِّ سَلَكَا، وَأَنهما مِنَ الكَرَامَةِ أَبعَدُ مَا يَكُون، وَبَينَهُمَا وَبَينَ الرِّفعَةِ كَمَا بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، لماذا؟ لأنهما أَهَانَا أَنفُسَهُمَا لَدَى مَن تَنفَعُهُمَا الكَرَامَةُ لَدَيهِ، وَأَعَزَّاهَا عِندَ مَن لا يَفرَحُ حتى يَرَاهما قَد وَقَعَا في الإِهَانَةِ على مَنَاخِرِهِمَا.

نَعَمْ، إِنَّ مَن يَقَعُ في المَعصِيَةِ فَلا كَرَامَةَ لَهُ وَلا عِزَّةَ، وَأَيُّ كَرَامَةٍ لِمَن مَقَتَ نَفَسَهُ مِن رَبِّهِ أَشَدَّ المَقتِ، وَتَقَرَّبَ إِلى عَدُوِّهِ اللَّدُودِ الشَّيطَانِ؟! فَهُوَ يَعمَلُ وَيَجتَهِدُ وَيَتعَبُ، وَيُصَلِّي المَكتُوبَاتِ وَيُحَافِظُ عَلى الفَرَائِضِ، وَقَد يَقُومُ اللَّيلَ وَيُكثِرُ مِنَ النَّوَافِلِ، وَيُعطِي وَيَبذُلُ وَيَتَصَدَّقُ، وَيَتَكَرَّمُ وَيُجزِلُ وَيُنفِقُ، وَيَستَغفِرُ وَيُسَبِّحُ وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ، وَيَفعَلُ مَا يَفعَلُ مِنَ الطَّاعَاتِ رَاغِبًا رَاجِيًا، وَيَرفَعُ يَدَيهِ دَاعِيًا مُنَاجِيًا، وَهُوَ في الحَقِيقَةِ فَاسِدُ العَمَلِ ضَائِعُ الجُهدِ، طَاعَاتُهُ مَردُودَةٌ، وَحَسَنَاتُهُ مَصدُودَةٌ، وَأَعمَالُهُ غَيرُ مَرفُوعَةٍ، وَدُعَاؤُهُ مَوقُوفٌ، وَمُنَاجَاتُهُ مَقطُوعَةٌ، فَهَل بَعدَ هَذِهِ الإِهَانَةِ مِن إِهَانَةٍ؟! وَصَدَقَ اللهَ إِذ يَقُولُ: وَمَن يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُكرِمٍ.

وَمِثالٌ آخَرُ مِنَ الوَاقِعِ، إِذ لَو أتى رَجُلٌ آخَرَ فَطَرَقَ عَلَيهِ البَابَ فَرَدَّهُ، لَغَضِبَ ذَلِكَ الزَّائِرُ وَلَهَجَرَ صَاحِبَهُ، وَلَحَمَلَ في نَفسِهِ عَلَيهِ حتى يُفَارِقَ الدُّنيا؛ لأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ أَهَانَهُ وَمَا أَكرَمَهُ، وَمَا ذَلِكَ إِلاَّ مِن شَدِيدِ البُعدِ عَنِ الهَديِ الشَّرعيِّ والأَدَبِ الرَّبَّانيِّ الذي عَلَّمَنَا اللهُ إِيَّاهُ في كِتَابِه حَيثُ قَالَ: وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارجِعُوا فَارجِعُوا هُوَ أَزكَى لَكُم وَاللهُ بِمَا تَعمَلُونَ عَلِيمٌ. فَهَذَا الأَمرُ الذِي يَعُدُّهُ أَصحَابُ القُلُوبِ الضَّعِيفَةِ المَرِيضَةِ إِهَانَةً لأَنفُسِهِم هُوَ في النَّظَرِ الصَّحِيحِ المَبنيِّ على الدَّلِيلِ الصَّرِيحِ مِمَّا تُكرَمُ بِهِ النُّفُوسُ المُؤمِنَةُ وَتُزَكَّى بِهِ القُلُوبُ المُخلصَةُ؛ طَاعَةً للهِ جل وعلا وَامتِثالاً لأَمرِهِ وَوُقُوفًا عِندَ حُدُودِهِ.

إِنَّ عَلَى المُسلِمِ الذِي أَسلَمَ وَجَهَهُ للهِ وَهُوَ مُحسِنٌ وآمَنَ بِاللهِ رَبًّا وَبِالإِسلامِ دِينًا وَبِمُحمدٍ نَبِيًّا رَسُولاً أَن يَعتَقِدَ مِن قَلبِهِ أَنَّهُ لا كَرَامَةَ إِلاَّ بِطَاعَةِ اللهِ وَالابتِعَادِ عَن مَعصِيَتِهِ وَمُخَالَفَةِ أَمرِهِ، وَأَنَّهُ مَا وَقَعَ في المَعَاصِي مَن وَقَعَ فِيهَا إِلاَّ لأَنَّهُ هَانَ عَلَى اللهِ، فَوَكََلُه إِلى نَفسِهِ الضَّعِيفَةِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، فَأَوقَعَتهُ فِيمَا يُوبِقُهُ وَيُهلِكُهُ، وَلَو كَانَ عِندَ اللهِ كَرِيمًا لَعَصَمَهُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الزَّلَلِ، وَلَو أَرَادَ لَهُ عِزًّا لَوَفَّقَهُ لِلطَّاعَةِ وَجَنَّبَهُ المَعصِيَةَ، إِذ إِنَّ العِزَّ قَرِينُ الطَّاعَةِ لا يُفَارِقُهَا، وَالذِّلَّ قَرِينُ المَعصِيَةِ لا يُجَانِبُ صَاحِبَهَا، قال سُبحَانَهُ: وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤمِنِينَ، وقال عن يوسفَ عليه السلامُ: كَذَلِكَ لِنَصرِفَ عَنهُ السُّوءَ وَالفَحشَاء إِنَّهُ مِن عِبَادِنَا المُخلَصِينَ، وقال تعالى: إِنَّ الذين يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الذين مِن قَبلِهِم، وقال جل وعلا: إِنَّ الذين يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأَذَلِّينَ، وكان يَقُولُ في دُعَاءِ القُنُوتِ: ((إِنَّهُ لا يَذِلُّ مَن وَاليتَ، وَلا يَعِزُّ مَن عَادِيتَ))، وَيَقُولُ الحَسَنُ البَصرِيُّ رحمه اللهُ: "هَانُوا عليه فَعَصَوهُ، ولو عَزُّوا عليه لَعَصَمَهُم"، وَيَقُولُ رحمه اللهُ: "إِنَّهُم وَإِنْ طَقطَقَت بِهِمُ البِغَالُ وَهَملَجَت بِهِمُ البرَاذِينُ فَإِنَّ المَعصِيَةَ لا تُفارِقُ رِقَابَهُم، أبى اللهُ إِلاَّ أَن يُذِلَّ مَن عَصَاهُ".

وَذَاكَ الذي يُناصَحُ وَيُذَكَّرُ بِاللهِ وَعَظِيمِ مَا ادَّخَرَهُ لِلطَّائِعِينَ وَأَلِيمِ مَا أَعَدَّهُ لِلعَاصِينَ، ثم لا يَتَذَكُّرُ وَلا يُنِيبُ، بَلْ لا يَزدَادُ إِلاَّ عُتُوًّا وَنُفُورًا وإعراضًا، هو في الحَقِيقَةِ مُحَادٌّ للهِ ولِرَسُولِهِ، وَعِزَّتُهُ مَكرٌ بِهِ، وَجَهَنَّمُ تَنتَظِرُهُ، قال سُبحَانَهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعجِبُكَ قَولُهُ في الحَيَاةِ الدُّنيَا وَيُشهِدُ اللهَ عَلَى مَا في قَلبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى في الأَرضِ لِيُفسِدَ فِيِهَا وَيُهلِكَ الحَرثَ وَالنَّسلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتهُ العِزَّةُ بِالإِثمِ فَحَسبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئسَ المِهَادُ.

إِنَّ كَرَامَةَ النَّفسِ صِفَةٌ جَمِيلَةٌ وَخَصلَةٌ حَمِيدَةٌ، يَنبَغِي أَن تُفهَمَ حَقَّ الفَهمِ، لِئَلاَّ تَكونَ حَائِلاً دُونَ أَحَدٍ وَطَاعَةِ رَبِّهِ وَامتِثَالِ أَمرِ رَسُولِهِ، أَو دَافِعًا لَهُ لِلعِنَادِ وَالوُقُوعِ في المَعصِيَةِ وَالإِصرَارِ عَلَى الخَطَأِ، لأَنَّهَا وَالحَالُ هَذِهِ لَيسَت كَرَامَةً، وَإِنما هِيَ إِهَانَةٌ مَا بَعدَهَا إِهَانَةٌ، وَالمُوَفَّقُ مَن وَفَّقَهُ اللهُ، قال سُبحانَهُ: مَن كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جميعًا إِلَيهِ يَصعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصَّالحُ يَرفَعُهُ، أَي: مَن أَرَادَ العِزَّةَ فَلْيَطلُبْهَا بِطَاعَةِ اللهِ بِالكَلامِ الطَّيِّبِ وَبِالعَمَلِ الصَّالحِ.

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، أَلم تَرَ أَنَّ اللهَ يَسجُدُ لَهُ مَن في السَّمَاوَاتِ وَمَن في الأَرضِ وَالشَّمسُ وَالقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيهِ العَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُكرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفعَلُ مَا يَشَاءُ.

يَقُولُ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رحمه اللهُ: "النَّاسُ قِسمَانِ: عِليَةٌ وَسِفلَةٌ، فَالعِليَةُ مَن عَرَفَ الطَّرِيقَ إِلى رَبِّهِ وَسَلَكَهَا قَاصِدًا الوُصُولَ إِلَيهِ، وَهَذَا هُوَ الكَرِيمُ عَلَى رَبِّهِ، وَالسِّفلَةُ مَن لم يَعرِفِ الطَّرِيقَ إِلى رَبِّهِ وَلم يَتَعَرَّفْهَا، فَهَذَا هُوَ اللَّئِيمُ الذِي قَالَ اللهُ فِيهِ: وَمَن يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِن مُكرِمٍ".

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ كَرَامَةَ النَّفسِ لَيسَت فِيما يَرَاهُ النَّاسُ مِن وَفرةِ غِنى وَعُلُوِّ مَنصِبٍ، أَو تَقدِيرٍ ظَاهِرٍ مِن بَعضِهِم لِبَعضٍ، بِضِيَافَةٍ مُتَكَلَّفٍ فِيهَا، أَو دَعوَةٍ مَاكِرَةٍ وَعَزِيمَةٍ غَيرِ صَادِقَةٍ، أو مَلءِ بَطنٍ بِشرابٍ أو طَعَامٍ، وَإِنما الكَرَامَةُ في طَاعَةِ اللهِ وَتَقوَاهُ والإِخلاصِ لَهُ ومُتَابَعَةِ مَا جَاءَ في كِتَابِهِ وعلى لِسَانِ رَسُولِهِ ، قال سُبحَانَهُ: فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيهِ رِزقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلاَّ.

أَلا فَأَكرِمُوا أَنفُسَكُم بِطَاعَةِ اللهِ وَالتَّوَاضُعِ لِعِبادِ اللهِ وَالعَفوِ عَمَّن ظَلَمَكُم وَتَعَدَّى عَلَيكُم وَعَدَمِ الانتِقَامِ لأَنفُسِكُم وَالانتِصَارِ لِحُظُوظِهَا، فَإِنَّهُ ((مَا زَادَ اللهُ عَبدًا بِعَفوٍ إِلاَّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ))، ((وَلا عَفَا رَجُلٌ عَن مَظلمَةٍ ظُلِمَهَا إِلاَّ زَادَهُ اللهُ تعالى بها عِزًّا، فَاعفُوا يَزِدْكُمُ اللهُ عِزًّا)).

وَرَضِيَ اللهُ عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فَقَد كَانَ بِذَلِكَ فَقِيهًا وبه عالمًا، فَإِنَّهُ لَمَّا خَرَجَ إِلى الشَّامِ وَمَعَهُ أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ رضي اللهُ عنهما فَأَتَوا عَلَى مَخَاضَةٍ، وَعُمَرُ عَلَى نَاقَةٍ، فَنَزَلَ عَنهَا وَخَلَعَ خُفَّيهِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى عَاتِقِهِ، وَأَخَذَ بِزِمَامِ نَاقَتِهِ فَخَاضَ بها المَخَاضَةَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيدَةَ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، أَأَنتَ تَفعَلُ هَذَا؟! تَخلَعُ خُفَّيكَ وَتَضَعُهُما عَلَى عَاتِقِكَ، وَتَأخُذُ بِزِمَامِ نَاقَتِكَ وَتَخُوضُ بها المَخَاضَةَ! مَا يَسُرُّني أَنَّ أَهلَ البَلَدِ استَشرَفُوكَ، فَقَال عُمَرُ: أَوه! لَو يَقُلْ ذَا غَيرُكَ أَبَا عُبَيدَةَ جَعَلتُهُ نَكالاً لأُمَّةِ محمدٍ ؛ إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَومٍ فَأَعَزَّنَا اللهُ بِالإِسلامِ، فَمَهمَا نَطلُبِ العِزَّ بِغَيرِ مَا أَعَزَّنَا اللهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللهُ.



بتصرف قليل
للشيخ عبد الله بن محمد البصري
موقع دليل انه الله

هوامش :


عرض عن ومن يهن الله فما له من مكرم

   Powered by : Digital Lanes © News-Islam ™ Version 1.5   ® Beta & Alpha..